صديق الحسيني القنوجي البخاري

350

فتح البيان في مقاصد القرآن

[ سورة الأنعام ( 6 ) : الآيات 7 إلى 9 ] وَلَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتاباً فِي قِرْطاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هذا إِلاَّ سِحْرٌ مُبِينٌ ( 7 ) وَقالُوا لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنا مَلَكاً لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ ( 8 ) وَلَوْ جَعَلْناهُ مَلَكاً لَجَعَلْناهُ رَجُلاً وَلَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ ( 9 ) وَلَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتاباً فِي قِرْطاسٍ في هذه الجملة شدة صلابتهم في الكفر ، وأنهم لا يؤمنون ولو أنزل اللّه على رسوله كتابا مكتوبا في قرطاس أي رق أو ورق بمرأى منهم ومشاهدة ، قيل هما تفسير بالأخص . والقرطاس في اللغة أعم منهما وهو ما يكتب فيه وكسر القاف أشهر من ضمها والقرطس وزن جعفر لغة فيه ، وفي القاموس مثلث القاف وكجعفر ودرهم : الكاغد ، والكاغد بالدال المهملة وربما قيل بالمعجمة وهو معرب . وفي القاموس الكاغد القرطاس ، وفي السمين هو الصحيفة يكتب فيها يكون من ورق وكاغد وغيرهما ولا يقال قرطاس إلا إذا كان مكتوبا وإلا فهو طرس وكاغد . فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ حتى يجتمع لهم إدراك الحاستين حاسة البصر وحاسة اللمس ، فهو أبلغ من عاينوه لأنه أنفى للشك لأن السحر يجري على المرئي لا على الملموس ، ولأن الغالب أن اللمس بعد المعاينة . لَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ أي لقال الكفار هذا هو السحر ، ولم يعلموا بما شاهدوا ولسموا ، وإذا كان هذا حالهم في المرئي المحسوس فكيف فيما هو مجرد وحي إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بواسطة ملك لا يرونه ولا يحسونه ، وفيه إظهار في مقام الإضمار . وَقالُوا لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ هذه الجملة مشتملة على نوع آخر من أنواع جحدهم لنبوته صلى اللّه عليه وسلم وكفرهم بها أي قالوا هلا أنزل علينا ملكا نراه ويكلمنا أنه نبي حق حتى نؤمن به ونتبعه كقولهم لَوْ لا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً [ الفرقان : 7 ] . وَلَوْ أَنْزَلْنا مَلَكاً على الصفة التي اقترحوها بحيث يشاهدونه ويخاطبونه ويخاطبهم لَقُضِيَ الْأَمْرُ بهلاكهم أي لأهلكناهم إذا لم يؤمنوا عند نزوله ورؤيتهم له لأن مثل هذه الآية البينة وهي نزول الملك على تلك الصفة إذا لم يقع الإيمان بعدها فقد استحقوا الإهلاك والمعاجلة بالعقوبة ، وهذه سنة اللّه في الكفار أنهم متى اقترحوا آية ثم لم يؤمنوا استوجبوا العذاب واستؤصلوا به . ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ أي لا يمهلون بعد نزوله ومشاهدتهم له طرفة عين لتوبة أو معذرة بل يعجل لهم العذاب ، وقيل المعنى أن اللّه سبحانه لو أنزل ملكا مشاهدا لم تطق قواهم البشرية أن يبقوا بعد مشاهدته أحياء بل تزهق أرواحهم عند ذلك ، فيبطل ما أرسل اللّه له رسله وأنزل به كتبه من هذا التكليف الذي كلف به عباده ليبلوهم أيهم أحسن عملا .